عبد الباسط عبد الصمد. الاسم وحده يثير في الذاكرة شيئًا أبعد من مجرد صوت جميل. هذا صوت يمس الروح مباشرة. صوتٌ لا تستطيع أن تفر منه، ولا ترغب في ذلك. (وهذا هو الحق الذي لا يماري فيه أحد.) عندما نتحدث عن الأداء القرآني في العصر الحديث، نحن نتحدث عن مرحلتين واضحتين: مرحلة ما قبل عبد الباسط، ومرحلة تالية له.
ميلاد الصوت الصعيدي: الأصول والتكوين
ولد الرجل في قرية المراعزة التابعة لمدينة أرمنت، بصعيد مصر، في عام 1927. تفاصيل نشأته مهمة جداً لفهم صلابة صوته. البيئة الصعيدية رسخت فيه القوة والتحمل، وربما هذا يفسر القدرة المذهلة على حمل المقام إلى نهاياته دون كسر. حفظ القرآن الكريم مبكراً، قبل أن يبلغ العاشرة من عمره، على يد الشيخ محمد الأمير.
النشأة المبكرة في بيئة تحفظ التجويد بعمق، جعلته يكتسب قاعدة متينة. وبعد فترة، انتقل إلى طنطا للدراسة على يد الأستاذ محمد سليم، وهناك، بدأت ملامح الشخصية الفريدة لهذا القارئ تتضح.
عام 1950 كان نقطة تحول حاسمة. أثناء الاحتفال بمولد السيدة زينب في القاهرة، أتيحت لعبد الباسط فرصة التلاوة. كان من المفترض أن يقرأ لعشر دقائق فقط، لكن الجمهور – الذي أصيب بالذهول من الأداء – أجبره على إكمال التلاوة لأكثر من ساعة ونصف. (تخيلوا هذا التفاعل، هذه اللحظة العفوية في عصر لم تكن فيه هواتف محمولة تسجل!) هذه الليلة لم تكن مجرد حفلة، بل كانت إعلاناً عن ميلاد نجم جديد في سماء التلاوة.
سر «النَفَس الطويل» والتحليل الفني
السر وراء تميز عبد الباسط لا يكمن فقط في جودة خامة الصوت، بل في التقنية المتقنة، أو ما يُعرف بـ (التحكم في النَفَس). هل سمعت أحداً يمدّ المقطع القرآني إلى هذا الحد دون اهتزاز أو ضياع؟ هذا ليس محض موهبة، بل هو علم كامل يمزج بين التدريب والفيزيولوجيا الخاصة بحنجرته. النفس عنده كان كالنبع الذي لا يجف.
وبخصوص المقامات، كان عبد الباسط سيدها بلا منازع. تلاوته احتفال بالمقامات الموسيقية العربية. عرف عنه الإتقان الباهر لمقام البياتي ومقام الصبا. كانت لديه سيطرة كاملة على الطبقات الصوتية، هو يعرف بالضبط متى يرفع، ومتى يخفض. (إنه يقود صوته بدقة فائقة.) بعض النقاد الفنيين يعتبرون أن طريقته في استخدام القرار والجواب كانت مدرسة بحد ذاتها، فقد كان يستطيع أن يذهب باللحن إلى أقصى نقطة ثم يعيده بهدوء، وهذا يحتاج إلى دقة وتركيز عالٍ جداً، تركيز لا تجده إلا عند المبدعين الكبار.
العالمية والانتشار الإذاعي
بعد تلك الليلة التاريخية، جاءت الخطوة الأكثر أهمية: الانضمام إلى الإذاعة المصرية عام 1951. هذه الخطوة، هذه الخطوة تحديداً، كانت «مفتاح العالمية». بفضل الإذاعة، وصل صوته إلى كل بيت، من أقصى الشرق في إندونيسيا وحتى أقصى الغرب في الولايات المتحدة. لم يعد قارئاً محلياً، بل أصبح سفيراً عالمياً للكتاب المنزل.
سافر عبد الباسط إلى عشرات الدول. زار باكستان، وماليزيا، وإندونيسيا (حيث استقبل استقبال الملوك)، وزرنا معه نحن المستمعين مساجد ومحافل دولية عديدة عبر التسجيلات. هذه التلاوات الخارجية كشفت مدى تأثيره العابر للحدود، فقد أحب الناس طريقته في التجويد، رغم اختلاف لغاتهم وثقافاتهم. لقد كان صوته لغة عالمية يفهمها القلب قبل العقل.
الخلود في الأثر
قد يمر الزمن على كل شيء، فالفنون تتبدل والأساليب تتغير، لكن صوت عبد الباسط يزداد رسوخاً يوماً بعد يوم. لماذا؟ السبب يكمن في النقطة التي بدأنا بها: الصدق. لا يوجد تصنّع في أدائه. نحن لا نسمع قارئاً يحاول أن يؤدي عرضاً فنياً، نحن نسمع روحاً تقرأ. النغمة التي يختارها، ووقوفه عند الآيات، كل هذا يشير إلى خشوع حقيقي.
إن الأثر الذي تركه الشيخ عبد الباسط ليس مجرد تسجيلات محفوظة، بل هو «مدرسة» كاملة في الأداء والتجويد. ما زال القراء الشباب حتى اليوم يحاولون محاكاة طريقته في مد الحروف والتحكم في النَفَس، لكنهم نادراً ما يصلون إلى تلك المرتبة من العبقرية الفردية.
في النهاية، يمكننا القول إن عبد الباسط لم يترك تلاوات، بل ترك لنا كنوزاً صوتية. عندما تستمع إليه، لا تشعر بمرور الوقت. تستمع وتشعر أنك تسمع الآيات لأول مرة، بغض النظر عن عدد المرات التي كررت فيها الاستماع. هذا هو الخلود الحقيقي الذي يبقى بعد أن ترحل الأجساد. هو صوت السماء الذي ما زال يرن في أذنينا وقلوبنا.
