الآية مفتاح التوازن الاجتماعي
تأتي آية سورة الإسراء (26): "وَءَاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا" كدستور مختصر لإدارة المال والمسؤولية الاجتماعية. وهي ليست مجرد دعوة للإحسان العابر، بل هي وضع لأسس العدالة المالية التي تبدأ من الداخل ثم تتوسع لتشمل الأبعد فالأبعد. النص يفرض على المؤمن حقاً، وهذا هو جوهر النظام.
إن النظر في هذا النص يجعلك تشعر أن كل كلمة وُضعت بميزان. ليس الأمر متروكاً للصدقة متى شئنا، بل هو حق مقرر؛ واجب أداء. وهذ الترتيب نفسه (ذَا ٱلْقُرْبَىٰ، ٱلْمِسْكِينَ، وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ) يكشف أولويات الإنفاق. يبدأ الحق دائماً من دائرة الدم القريبة (أهلك)، ثم ينتقل إلى محيط الحاجة الأوسع (المجتمع)، وصولاً إلى حالة الاستغاثة الطارئة (المسافر).
"وَءَاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُۥ": رابطة الدم والواجب الأول
يبدأ التشريع بالقرابة. لماذا؟ لأن أهل البيت هم الحصن الأول، وإهمالهم لا يبرره أي عطاء خارجي. حق القريب يشمل صلة الرحم المادية والمعنوية، وهو أعمق من مجرد الصدقة، إذ يُعد سداً لحاجتهم قبل أن تظهر علانية. المفسرون يشددون على أن هذا الحق يشمل النفقة الواجبة، وكذلك المساعدة عند الحاجة (مثلاً، إذا كان لديه عم أو خال في ضيق لا يستطيع منه الخروج). إنها حماية للشبكة الاجتماعية المصغرة الخاصة بك. لا معنى لإنقاذ الغريق البعيد، فيما يغرق القريب على الشاطئ. وهذا منطق واضح لا يحتاج لكثير شرح.
"وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ": توسيع دائرة العطاء
تأتي كلمة "ٱلْمِسْكِينَ" بعدها. وهو ليس بالضرورة من يسأل. المسكين هو المحتاج المتعفف الذي لا يجد كفايته. (نعلم أن الفرق بين الفقير والمسكين محل نقاش فقهي قديم، لكن المعنى العام هنا يركز على الحاجة غير المُعْلنة). العطاء للمسكين يمثل الاستجابة لحاجة صامتة، وهي أصعب في اكتشافها، وتتطلب يقظة اجتماعية عالية المستوى.
أما "وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ" (المسافر المنقطع)، فحقه يتعلق بظرف طارئ مفاجئ. قد يكون هذا المسافر غنياً في بلده، لكن ماله ضاع، أو تأخر وصوله. حالته عارضة، وحقه مؤقت، يتوقف بمجرد وصوله إلى مبتغاه أو زوال سبب انقطاعه. في زمننا اليوم، قد يشمل هذا المعنى اللاجئين، أو العمال المغتربين الذين تعثرت أمورهم فجأة. إنه التكافل الذي يعبر الحدود الجغرافية، وقاعدة تقول: لا يُترك إنسان عاجز في الطريق.
الجانب الآخر من العملة: تحريم التبذير
يُختتم الجزء الأول من الآية (الأمر بالعطاء) بتحذير صارم: "وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا". وهذا الربط ليس عفوياً. لماذا جاء التحذير من الإسراف مباشرة بعد الأمر بالإنفاق على المحتاجين؟ لأنه يضع ضابطاً لعملية العطاء نفسها، وضابطاً لحياتك كلها.
التبذير هو النقيض للمسؤولية المالية. ليس التبذير مجرد إنفاق الكثير من المال (فهذا هو الإسراف)، بل هو إنفاق المال في غير موضعه الصحيح، أو بعبارة أدق، تضييع المال على ما لا يجلب نفعاً، أو فيما يضر. (وبعض العلماء ربطوه بالصرف في المعاصي، حتى لو كان قليلاً).
التبذير ليس مجرد إسراف
الإسراف قد يكون في المباح، لكن بكميات زائدة جداً. أما التبذير، فهو تجاوز للحد في غير المحل الشرعي أو المنطقي. الآية تخبرنا بشكل غير مباشر أن المال أمانة. ومن يتبذر، فكأنه لا يقدر قيمة هذه الأمانة، ولا يعرف واجبها.
عندما تشتري شيئاً لا تحتاج إليه، أو تهدر الموارد، أو تبالغ في حفلة لا تستفيد منها الأسرة والمجتمع بشيء حقيقي، فإنك تبذر. وهذا يعود بالضرر على الآخرين أيضاً، لأن الموارد المتاحة محدودة (طبعاً، هذه نظرة اقتصادية حديثة تتفق مع روح الآية). المال الذي ذهب هدراً، كان من الممكن أن يسد حاجة أحد الأقارب، أو يعالج مسكيناً.
والآية التالية مباشرة (سورة الإسراء، 27) تشرح خطورة هذا السلوك، إذ تصف المبذرين بأنهم "إِخْوَانَ ٱلشَّيَٰطِينِ". هذا وصف مرعب ويوضح أن التبذير ليس خطأ صغيراً في الحسابات، بل هو انحراف سلوكي جذري.
تطبيق عملي: كيف نحقق الاعتدال اليوم؟
كيف يمكننا أن نعيش هذه الآية في عالمنا المعقد اليوم، حيث الإغراءات الاستهلاكية في كل زاوية؟ يتطلب الأمر ثلاثة إجراءات متوازنة:
- الميزانية العادلة: إعطاء الحقوق يبدأ بتحديدها. كم يجب أن يذهب للزكاة؟ وكم للصدقات التطوعية؟ وكم لحق الأقارب المحتاجين؟ يجب أن تكون هذه البنود مخصصة في ميزانيتك الشهرية، لا أن تكون مجرد "بقايا" إنفاقك.
- التخطيط ضد الهدر: يجب مقاومة ثقافة الشراء من أجل الشراء. قبل أن تشتري أي شيء لا لزوم له، اسأل نفسك: هل هذا المورد يحقق نفعاً حقيقياً (لي أو لغيري)؟ أو هل هو مجرد تضييع للمال؟ التبذير الاقتصادي في العصر الحديث يشمل إهدار الطاقة، والماء، والمواد الغذائية التي ترمى، وهذه كلها موارد هي حق للمجتمع في نهاية الأمر.
- الاستدامة في العطاء: العطاء للمسكين وابن السبيل لا يجب أن يكون لمرة واحدة وينتهي الأمر. الحقوق يجب أن تُؤدَّى باستمرار. إن الاعتدال المالي يعني الإنفاق بكفاءة، مما يضمن أن يبقى لدينا ما ننفق منه على مدار العام، لا أن نُسرف في شهر واحد ثم نُصبح فقراء في باقي الشهور. هذا هو معنى التوازن الذي تدعو إليه الآية العظيمة.
إن هذه الآية، بكلماتها القليلة، ترسم خريطة طريق واضحة للتعامل مع الثروة. وهي تؤكد أن المسؤولية المالية تبدأ بالعدل (إعطاء الحقوق) وتستمر بالانضباط (تجنب التبذير). وبدون هذين الجناحين، لا يمكن لأي ثروة، فردية كانت أم مجتمعية، أن تستقر.
