القسط والإخلاص والعودة: تأملات في "قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِٱلْقِسْطِ"

تحليل عميق لآية القسط والإخلاص (الأعراف 29). كيف يربط الأمر الإلهي بين العدل، وإقامة الوجه، وصدق النية، ويختم بالحساب؟

 


العدل أولاً، ثم التوجه الكامل بالعبادة، ثم الإخلاص الذي يصبغ كل شيء. هذه الآية الكريمة، من سورة الأعراف (الآية 29)، ليست مجرد وصية عابرة؛ إنها خريطة طريق واضحة لحياة متوازنة تقود إلى المصير المحتوم. عندما نسمع هذا الخطاب الإلهي الموجز: "قُلْ أَمَرَ رَبِّى بِٱلْقِسْطِ ۖ وَأَقِيمُوا۟ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍۢ وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ۚ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ"، يدرك الواحد منا أن الأمر أكبر من مجرد صلاة، إنه نظام شامل. هذه السطور محاولة لفك شيفرة هذا الترتيب البديع والوقوف على أركانه الأربعة الأساسية، التي تشكل جوهر العلاقة بين الإنسان وخالقه.

الأمر الأول: العدل أساس الملك

يفتتح الأمر بكلمة حاسمة: "قُلْ أَمَرَ رَبِّى بِٱلْقِسْطِ". والقسط، ببساطة، هو وضع كل شيء في موضعه الصحيح. إنه ليس مجرد المساواة العددية، ولكنه إعطاء كل ذي حق حقه دون ميل أو هوى. هذه الكلمة، القسط، تجيء في المقدمة، وكأنها شرط أساسي لقبول أي عمل آخر.

إن الأمر الإلهي بالعدل لا يتوقف عند قاعات المحاكم أو النزاعات الكبرى. إنه يبدأ داخل النفس: العدل مع الذات بمنحها حقها من الراحة والتعلم والتزكية. والعدل في القول (حتى لو كان القول مرًّا على قريب أو عدو). والعدل في الميزان، وفي التعاملات المالية، وفي توزيع الابتسامات والاهتمام. مجتمع بلا عدل، مجتمع مهترئ. فإذا كان هناك ظلم يسري في شرايين الحياة اليومية، فهل يمكن أن ترتفع العبادة الصادقة فوق هذا الأساس المكسور؟ الحق يُقال: لا يمكن. العدل هو الركيزة التي تُبنى عليها كل الفضائل. وهو ما يجعل الأرض صالحة للعيش والعبادة معاً (وهذا الأمر يحتاج منا وقفة طويلة، لنفكر في مدى عدلنا نحن اليوم).

إقامة الوجه: التركيز المطلق

تأتي بعدها دعوة مباشرة ومحددة تتعلق بالتوجّه: "وَأَقِيمُوا۟ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ". لا يعني المسجد هنا المبنى الخرساني فحسب، بل هو كل موضع يصح فيه السجود. إنها دعوة للتوجه المطلق نحو الخالق في كل وقت وحين، والتجرد من الشواغل الدنيوية عند بداية أي عمل عبادي.

المسجد، في جوهره، هو مكان السجود. والسجود هو ذروة الخضوع. وعندما يُطلب منا "إقامة الوجه"، فإن المعنى هنا هو تصحيح القصد، وتثبيت الاتجاه، والوقوف بكيان واحد أمام عظمة الخالق. المسألة ليست مجرد حركة رياضية تُؤدى، بل هي حالة قلبية تستوجب اليقظة. عندما يضع المصلي جبهته على الأرض الباردة (أو الساخنة)، يشعر بثقل الطين الذي خُلق منه، ويدرك حجم ضعفه أمام القوة الكلية. هذه الإقامة للوجه تجعل العبادة شيئاً حياً، لا روتيناً باهتاً.

جوهر العبادة: الإخلاص

بعد الأمر بالعدل الخارجي والتوجه الظاهر، ينتقل النص إلى المصفاة الداخلية، وهي كلمة الإخلاص: "وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ". هذا هو لب الموضوع. هذا هو الفارق بين الحركة الآلية والعبادة التي ترفع صاحبها درجات. إن الإخلاص هو النقاء التام، هو تجريد العمل من أي شائبة رياء أو طلب مدح أو منفعة مادية. فما قيمة الصلاة الطويلة إذا كان القلب مشغولاً بغير الله؟ وما فائدة الصدقة الجزيلة إذا كانت النية هي الشهرة؟

الإخلاص، كما وصفه بعض الصالحين، هو تصفية العمل من أي شوائب ترى، أو تُذكر، أو تُمدح. إنها عملية غربلة مستمرة. إذا تخيلنا أن القلب وعاء، فإن الإخلاص هو الماء الصافي الذي يملأ هذا الوعاء. أما الرياء والسمعة، فهي الكدر الذي يفسده. ويجب أن تكون الدعوة لله –أي العبادة بمفهومها الواسع– خالصة له وحده. هذا التركيز على "له الدين" يقطع الطريق أمام أي شريك، سواء كان شريكاً خفياً في النية، أو شريكاً ظاهراً في الممارسة.

وإذا كان الإخلاص أمراً عسيراً، فالصادق يحاول كل يوم، ويجاهد نفسه (وأحياناً يفشل، لكنه يعود فوراً). هذه سنة الحياة الروحية: جهد مستمر نحو النقاء.

الختام الصادم: كما بدأكم تعودون

يختتم النص بعبارة ذات وقع خاص، وكأنها الميزان الذي ستوزن به الأعمال الثلاثة السابقة: "كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ". هذه الجملة القصيرة تحمل في طياتها تذكيراً قوياً بالنشأة والعودة. نحن خُلقنا من العدم، وبدؤنا بسيط. وسنعود إلى الخالق بذات البساطة، مجردين من كل ما جمعناه في الدنيا.

تذكيرنا بالبداية والعودة ليس تهديداً بقدر ما هو إرساء لحقيقة جذرية. إنه يربط مصير الإنسان بخالقه من اللحظة الأولى للوجود إلى لحظة البعث. وهو ربط ضروري لجعل أوامر القسط وإقامة الوجه والإخلاص ليست مجرد طقوس، بل جزءاً لا يتجزأ من الاستعداد للحياة الأخرى. أنت، أيها القارئ، ستعود كما بدأت: وحيداً وفقيراً إلى الله. هذا التفكير يعطي العمل قيمة فورية.

الخلاصة المترابطة:

إن سياق الآية يضع أمامنا منظومة متكاملة. يجب أن يكون العدل هو معيارنا الاجتماعي، والتوجه هو طريقتنا العبادية، والإخلاص هو روح أفعالنا. ووراء كل ذلك، يقف الحساب، أو ما نسميه "العودة". لو سقط ركن واحد من هذه الأركان، اختل التوازن الكلي. نحن مأمورون بالعدل في معاملاتنا، والخشوع في عباداتنا، والصدق في نياتنا. ولهذا، فإن هذه الآية ليست مجرد ترغيب أو ترهيب، بل هي وصف دقيق للمسلم الذي يحاول جاهداً أن يجمع بين صلاح الظاهر ونقاء الباطن، منتظراً تلك العودة التي لا ريب فيها.