سر الآية: (وَأَنَّهُۥ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا) والسيطرة المطلقة

تحليل عميق وبسيط للآية 44 من سورة النجم. كيف يتجلى الموت والحياة كدليل على توحيد الخالق وقدرته الكلية والمنفردة.

 


الآية الكريمة، جملة قصيرة من سورة النجم (44)، تحمل في طياتها الوزن الكامل للوجود. إنها ليست مجرد إخبار، بل إعلان حاسم: "وَأَنَّهُۥ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا". لو تأملنا هذه الكلمات الأربع، نجد أنها ترسم حدودًا لا يستطيع أحد تجاوزها. السيطرة على زمن خروج الروح وعودتها ليست محل مشاركة، بل هي فعل فردي مطلق للخالق. هذا هو بيت القصيد، وهذا ما يجب أن يقف عنده العقل طويلاً (لأنه حقًا يغير نظرتنا للوقت).

القوة المزدوجة: الإماتة أولاً

من اللافت للنظر أن الإماتة وردت قبل الإحياء في النص. الموت هو النهاية التي لا جدال فيها، نقطة التوقف التي يواجهها الجميع بلا استثناء. هذا الترتيب يحمل دلالة، ليس فقط على حتمية الفناء، بل على قدرة الله على إنهاء ما ظنناه أبديًا. نحن نرى كل يوم كيف ينسدل الستار بصمت على حياة، دون سابق إنذار أو ترتيب من البشر. فجأة، يتوقف ذلك النبض الذي كان يضرب بإيقاع منتظم، ويصبح الجسد ساكنًا. هذا السكون هو جزء من حكمته. هو ليس إعدامًا، بل تحرير للروح من قفص المادة.

إننا نحاول جاهدين تأخير الموت عبر الطب والتكنولوجيا، ونقوم ببناء سدود ضد المرض. لكن متى جاء الأمر الإلهي، لا ينفع طبيب ولا آلة. هذا التسليم المطلق يفرض علينا رؤية واضحة: هذه الحياة التي نعيشها هي هدية مؤقتة بمدة زمنية محددة سلفًا. ومن يملك سحب الوديعة، هو ذاته من يملك إعادتها.

دقة المشهد البيولوجي

انظر إلى أي كائن حي. الخلية الواحدة تبدأ بالانقسام بدقة متناهية، لكنها في لحظة ما – حسب برنامج محدد – تبدأ عملية التدمير الذاتي (الاستماتة الخلوية). هذا الموت المبرمج ضروري للحياة ذاتها، لأنه يزيل الخلايا التالفة ويسمح بالنمو الجديد. هذا المثال الصغير في أعمق أجزاء أجسادنا يشهد على أن الموت عملية منظمة بقدر تنظيم الولادة. ليس الأمر فوضى، بل إتقان لا يمكننا تخيله. وهذا جزء من إعجاز الإماتة.

الإحياء: دليل البعث المستمر

ثم يأتي الجزء الآخر: "وَأَحْيَا". الإحياء لا يعني فقط البعث العظيم يوم القيامة – وإن كان هذا هو معناه الأهم – لكنه يشمل أيضًا الإحياء المتكرر والدائم الذي نراه حولنا كل لحظة. الإحياء هو الدورة التي لا تتوقف. بعد الشتاء القاتم، تعود الأرض خضراء، مشبعة بالحياة. بذرة ظنناها قد ماتت تحت التراب، تتشقق فجأة وتطلق ساقًا خضراء نحو الشمس.

بل إن الإحياء يتجلى في أعمق صور الفقر. أحيانًا، يجلس الشخص مهمومًا، غارقًا في يأسٍ جافٍ كالصخر. ثم تأتي كلمة طيبة، فكرة جديدة، أو نظرة أمل، فتعود الروح للنشاط مرة أخرى، وكأنها بُعثت من جديد. هذا الشعور الداخلي بالعودة إلى الحياة، بعد الإحباط، هو كذلك من آثار "وَأَحْيَا".

ولكن، المعنى الأكبر يبقى متعلقاً بالبعث بعد الفناء. الكلمات هنا تؤكد أن قدرة الخلق ليست فعلاً لمرة واحدة. إن من خلقنا من عدم، أو من تراب، قادر بالتأكيد على إعادة تجميع تلك الأجزاء المتفرقة. إذا كانت القدرة على الموت في يده وحده، فالقدرة على العودة إلى الحياة هي كذلك محصورة به. إنها قاعدة لا يمكن كسرها، وميزان لا يميل.

لماذا قدمت هذه الآية كخبر؟

الآية ليست دعوة فقط للإيمان، بل هي وضع للأسس التي يقوم عليها الإدراك السليم. عندما يدرك الإنسان أن حياته ومماته مقبوضة بتلك اليد المطلقة، يتغير سلوكه. الزهد يصبح أيسر، والطمع يخف وطأته. لأنك تعلم جيدًا أن المال لن يطيل أجلك، ولا القوة ستمنع عنك سهم القدر. وهذا اليقين يمنح الطمأنينة التي لا يجدها القلقون. هو درس في التوكل العميق والتحرر من خوف السيطرة. عندما تستمع للآية، تسمع فيها صوت القدر الذي يضبط الكون، صوت السكون الذي يتبع الحركة، والحركة التي تتبع السكون. فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء، وهو الذي "أَمَاتَ وَأَحْيَا". هذا هو مفتاح فهمنا للعالم، وبابنا للخلود الحقيقي. لا غيره يملك هذا ولا سواه.