“لا تركنوا”: خط الدفاع الأخير بينك وبين الظلم

تحليل شامل للآية ١١٣ من سورة هود. اكتشف معنى “الركون إلى الذين ظلموا” وكيف تحمي قلبك ومصيرك من الانجراف نحو الباطل. استقامة ونجاة.

 


تلك الآية، ١١٣ من سورة هود، ليست مجرد تحذير عابر. إنها خط أحمر مرسوم في القلب قبل أن يكون على الأرض. إنها قاعدة أساسية لحفظ الفطرة والنجاة من الانجراف. (وهي قاعدة صعبة، لا أحد ينكر ذلك). لكن الأمر هنا يتعلق بالمسافة الفاصلة بين المرء وبين الضياع. نحن لا نتحدث عن المجرد "اتصال" عارض، بل عن شيء أعمق وأخطر: ميلان الروح. "وَلَا تَرْكَنُوٓا۟ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ". إنها صياغة محكمة، تجعل من العلاقة مع الظلم نقطة تحول مصيرية. والحقيقة، أن الخطر لا يكمن في الظالم، بل في مدى استعدادك لمنحه الثقة.

ما معنى "الركون"؟ تحليل الكلمة

 ان القرآن الكريم دقيق، وكلمة "الركون" تحمل ثقلاً خاصاً. هي أبعد من مجرد الوقوف بجوار شخص ما. إنها الميل الشديد، والاعتماد القلبي، وتفويض الأمر. المفسرون القدامى، وعلى رأسهم الإمام الطبري، نظروا إلى هذا الفعل تحديداً. لم يقولوا: 'لا تتعاملوا بالكلية' (لأن الحياة تتطلب أحياناً تعاملاً اضطرارياً مع أنظمة قائمة). بل قالوا: "لا تميلوا ولا تعتمدوا". الركون هو إظهار الرضا، هو الاعتماد على الظالم في تحقيق مصلحة شخصية، هو المودة والمصافاة التي تجعلك تراهم سنداً أو حلاً لمشكلاتك.

الركون القلبي والركون العملي

هذا الميل يأخذ شكلين، كلاهما خطير. الأول هو الركون القلبي: وهو أخطر الأنواع، ويشمل محبة الظالم، الثناء عليه بما ليس فيه، وتمني بقاء سلطته الجائرة. هذا الميل يحرق الإيمان من الداخل كالنار الهادئة. أما الثاني، فهو الركون العملي: ويحدث حين يقدم الإنسان خدماته وقدراته (سواء كانت فكرية أو مادية) لتثبيت أركان الظلم، وهو يعلم حقيقة الأمر. هذا ليس اضطراراً، بل اختياراً واعياً للدخول تحت مظلة الجور طلباً للمنفعة.

إن الفارق الجوهري يكمن في النية والغاية. تمرير صفقة عمل ضرورية شيء، وتفخيم الظالم وإظهار الثقة المطلقة في منهجه شيء آخر تماماً. المؤمن مطالب بأن يتعامل ببرود وحياد مع الظلم، دون أن يترك صوته الداخلي يبرر أو يزين.

من هم "الذين ظلموا"؟ الحدود العملية للظلم

قد يتبادر إلى الذهن أن الظالم هو فقط الحاكم الجائر الذي يمارس القمع على نطاق واسع. نعم، هذا هو الشكل الأبرز. لكن الظلم أوسع نطاقاً بكثير. (الحياة مليئة بالتدرجات الرمادية، وهذا ما يجعل الأمر صعباً).

الذين ظلموا هم كل من تجاوز حدود الحق في أي سياق. قد يكون الظالم هو صاحب العمل الذي يبخس حقوق العمال عمداً، أو التاجر الذي يغش الناس جهاراً، أو المسؤول الذي يستخدم سلطته لأذية الأبرياء. الآية تحذرنا من الركون إلى أي قوة تسير بالباطل وتجعله قاعدة للسلوك. هذا التحذير موجّه لكل فرد. الانجراف نحو هؤلاء يبدأ غالباً عبر تبرير أفعالهم، أو التزام الصمت المريح جداً حين يجب الكلام. (ونعرف كم يدفع الناس لأجل هذا الصمت حين تصبح المنافع مغرية).

البُعد عنهم يعني عدم التمسك بأهدابهم لتحقيق مكاسب دنيوية. إنه التزام بالاستغناء عن نصرتهم أو ثروتهم. إنه قرار داخلي بالفقر الشريف بدلاً من الغنى الملوث.

الثمن الفادح: نار وبتر للنصر

الآية لا تهدد بعقوبة واحدة، بل بعقوبتين متتاليتين؛ ثمن فادح يضرب الروح في موضعين مختلفين. الأول أخروي، والثاني دنيوي.

أولاً: "فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ". تماس النار هنا ليس مجرد دخول إليها، بل كأنها تلاحقك وتلتقطك بسرعة من حيث كنت تظن أنك بأمان. الميل القليل نحو الظلم يفتح الباب على مصراعيه للعقاب الأكبر. إنها نتيجة طبيعية لانسجام القلب مع الباطل.

ثانياً: "وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ". هذا هو الفراغ الكامل. تفقد السند الإلهي. هذا الجزء من الآية يمثل ضربة موجعة في الحياة الدنيا. أنت تعيش، لكن دون رعاية، دون معين يرفع عنك الضرر الحقيقي عند الشدائد. إذا ركنت إلى الظالمين، فأنت تبحث عن أولياء (سند وحماية) في غير محلها، وحين تقع الأزمة الحقيقية، يتبين أن هذه الأركان واهية وزائلة. أي قوة يمكن أن تعوض هذا النقص إذا تخلى عنك نصر الله؟ هذا الشعور بالعزلة المطلقة، بالخذلان في وقت الحاجة، هو ما يميز من يعتمد على القوة الزائلة للظالمين.

خطوات عملية للبقاء على الحياد الشريف

كيف نطبق هذا التحذير في حياتنا اليومية؟ الأمر يتطلب يقظة دائمة وإعادة تقييم للبوصلة الداخلية.

  1. مراجعة الدوافع: اسأل نفسك: لماذا أتعامل مع هذا الشخص أو هذه المؤسسة؟ هل هو ضرورة لا مفر منها (مثل دفع فاتورة أو استخراج وثيقة) أم اختيار لزيادة المنفعة؟ إذا كان الأخير، يجب إعادة النظر.
  2. الاستغناء عن المدح: لا تجعل لسانك جسراً للظالمين. الامتناع عن الثناء الكاذب، والابتعاد عن تجميل الصورة، هو الحد الأدنى من الاستقامة. الثناء هو نوع من الركون القلبي.
  3. الاعتماد الكلي على الحق: اجعل اعتمادك الكلي على الله وحده. أي مساعدة تأتيك من مصدر ملوث بالظلم يجب النظر إليها بعين الحذر، وأن تكون بقدر ضيق جداً لا يشعرك بالأمان معهم.

خاتمة: لا أولياء لكم سواه

الآية لا تأمر بالانعزال التام عن المجتمع، بل تأمر بقطع خيط الود والميل القلبي والاعتماد الكلي على القوة الجائرة. إنها دعوة للاستقامة التي قد تبدو مكلفة في الظاهر، لكنها الضمانة الوحيدة للنجاة في الباطن. الاستقامة هي أن تستشعر خطر نار التماس قبل أن تمسك بك فعلياً، وأن تعرف يقيناً أن الأولياء الحقيقيين هم فقط من عند الله، وأن أي نصر يأتي عبر بوابة الظلم هو نصر خاسر ومؤقت.