ميثاق الإنسانية: دروس سورة الحجرات لتزكية النفس

تحليل معمق لآيات الحجرات (11-18): كيف تبني الأخلاق القرآنية مجتمعًا سليمًا. قواعد تجنب السخرية والظن والغيبة والتمييز.

 


هذه الآيات الكريمة، من سورة الحجرات، ليست مجرد وعظ. هي في الحقيقة بناء متكامل للمجتمع السليم، كأنها دستور أخلاقي مفصل وضعه الخالق ليحمي القلوب من آفاتها. هي قواعد صارمة لمن أراد أن ينتقل من مجرد الانتماء إلى صف الإيمان الحقيقي.

السخرية والنبز: سياج الأخوة المنهار

يبدأ الخطاب الإلهي في الآية الحادية عشرة بتحذير مباشر يوجه إلى المؤمنين: "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌۭ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُوا۟ خَيْرًۭا مِّنْهُمْ". توقف عن الاستهزاء. هذه قاعدة أساسية. لكن الأهم هو التبرير العميق خلف هذا النهي: أنت لا تملك مقياس القيمة الحقيقية. المضحوك عليه قد يكون أقرب إلى الله وأفضل حالاً منك.

وتلك الحقيقة لا تقتصر على الرجال فقط؛ فالآية تفصل الحكم: "وَلَا نِسَآءٌۭ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيْرًۭا مِّنْهُنَّ". المساواة هنا في التكليف الأخلاقي واضحة وضرورية. إن الضحك على الهيئة أو السخرية من الكلام عمل بسيط في ظاهره، لكنه يحمل دلالة على استكبار داخلي، وشعور زائف بالتفوق.

ثم تأتي مرحلة أخرى من التدمير الاجتماعي وهي العيب والتنابز. فالله ينهى عن التعيير: "وَلَا تَلْمِزُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ". إن تعييري لأخي هو تعيير لي في الحقيقة؛ فنحن جسد واحد. وإذا أطلقت الألقاب القبيحة على الناس، فقد تجاوزت الحد. والبئس كل البئس هو هذا الوصف القادم: "بِئْسَ ٱلِٱسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلْإِيمَٰنِ". هل تتخيل؟ أن تكون مؤمناً ثم تعود بفعلك إلى دائرة الفسق؟ إنه تراجع خطير يهدد الإيمان من جذوره. ومن لم يتب من هذه الأخطاء، فإنه يضع نفسه في صف الظالمين.

الحماية من ظلام الظنون والعيوب

تنتقل الآيات لتنقية القلب والمجتمع من أمراض داخلية صعبة الكشف. إنها أمراض الشك والتدخل في الخصوصيات. "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱجْتَنِبُوا۟ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌۭ".

نحن مطالبون بأن نسيج حياتنا النفسية يحمل الأصل على البراءة والخير، لا على السوء. إبعاد الظن السيئ ليس مجرد نصيحة؛ إنه حماية لصحتك الروحية. والظن غالبًا ما يكون البوابة التي تعبر منها الأخطاء الأكبر.

وماذا يأتي بعد الظن إذا ترك وشأنه؟ يأتي التجسس: "وَلَا تَجَسَّسُوا۟". البحث عن الزلات، التنقيب عن العيوب المستورة. إنها هواية مدمرة، ولا يجوز لنا أبداً أن نكون مفتشين للخطايا الخاصة بالناس.

ثم يتجسد الداء الأكبر: الغيبة. "وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًۭا فَكَرِهْتُمُوهُ". هذا تشبيه مرعب، تشبيه يجعل المعدة تتقلب لمجرد التفكير فيه. أكل لحم الميت أمر تقشعر منه الأبدان بالفطرة. وربط هذا الفعل اللفظي المخفي بالصورة الحسية الدموية يشدد على قبح الغيبة الشديد. والغيبة، ببساطة، هي ذكرك لأخيك بما يكره في غيابه. (وتلك صفة لا تتناسب أبداً مع النقاء المطلوب).

التنوع البشري: قاعدة للتعارف لا التناحر

تأتي الآية الثالثة عشرة كإعلان عالمي يحدد مكانة الإنسان ويزيل كل أوهام التمييز العنصري والقبلي: "يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَٰكُم مِّن ذَكَرٍۢ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَٰكُمْ شُعُوبًۭا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا۟".

إن الإشارة هنا إلى أصل واحد لجميع البشر (آدم وحواء) تدحض أي ادعاء بالتفوق البيولوجي أو العرقي. وخلقنا شعوباً وقبائل ليس لنصنع حواجز ونعلن حرباً، بل لنتعارف. لنتعلم من بعضنا البعض. هدف الوجود هو التعاون المعرفي، لا التنافس العدائي.

ما هو مقياس الكرامة الحقيقي إذاً؟ "إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ". إنه التقوى. العمل الصالح والخشية من الله هي العملة الوحيدة المقبولة في ميزان الخالق. هذا الميزان لا يتأثر بالمال أو السلطة أو الجمال. إنه علم إلهي خالص، فالله "عَلِيمٌ خَبِيرٌۭ" بمن يستحق الكرامة.

الإيمان والإسلام: مراتب اليقين

يختتم هذا المقطع بوضع الفروقات الدقيقة بين مجرد الانقياد الظاهري واليقين القلبي. ترد الآية الرابعة عشرة لتصحح فهماً خاطئاً لدى بعض الأعراب الذين قالوا: "ءَامَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ وَلَٰكِن قُولُوٓا۟ أَسْلَمْنَا".

الكلمات هنا حاسمة. الإسلام هو الاستسلام الظاهري، أداء الشعائر والقبول بالدين. لكن الإيمان هو شيء أعمق، هو التصديق الذي يستقر في القلب ويحول السلوك. لقد قاموا بالإسلام، لكن الإيمان لم يدخل بعد إلى القلوب. إن الإيمان يستلزم اليقين الثابت، والعمل المتواصل.

ويؤكد النص الإلهي صفات المؤمنين الصادقين: "إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ". المؤمن الحق لا يشك. هو لا يتزعزع. ويرى الجهاد بالمال والنفس دليلاً عملياً على صدق ما في قلبه. (وهذه هي الصدق كله).

ويأتي التوبيخ لمن يظن أنه يُسدي خدمة لله بإسلامه: "يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا۟ ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا۟ عَلَىَّ إِسْلَٰمَكُم ۖ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَىٰكُمْ لِلْإِيمَٰنِ". الإيمان هبة، ليست صفقة تجارية أو خدمة مقدمة. إنه فضل عظيم يُسدى إلينا.

إن هذا المقطع من الحجرات يرسم الطريق. إنه يدعونا إلى مراجعة مستمرة لسلوكنا الخارجي، وتنظيف مستمر لقلوبنا الداخلية، وإدراك دائم لوحدة أصلنا البشري. فالإسلام، في جوهره، ليس مجرد طقوس، بل هو معاملة رفيعة ونفس سوية ترى كرامة الآخرين كجزء من كرامتها.