نداء لوقفة صدق: يوم لا يجزي والد عن ولده

تأمل عميق للآية 33 من سورة لقمان. عن معنى التقوى، والمسؤولية الفردية في الآخرة، وحقيقة غِرور الدنيا والشيطان.

 


يأتي صوت القرآن أحياناً كصيحة مفاجئة في عز الضجيج. يقطع كل حوار، ويطلب انتباهاً كاملاً. وهذه الآية، تحديداً، من سورة لقمان، ليست مجرد وعظ. هي خريطة طريق مصحوبة بإنذار واضح جداً. هي ليست للغد البعيد، بل للحظة هذه بالذات.

التقوى: ضبط بوصلة القلب

"يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ". هذا هو المبدأ الأول. "اتقوا" تعني أن تجعل بينك وبين ما تخشى حاجزاً. ليست التقوى خوفاً صامتاً فقط، بل هي يقظة مستمرة. (نحن ننسى هذا كثيراً). هي طريقة عمل؛ نظام حماية ذاتي يضعه الإنسان لروحه. التفكير في العواقب قبل الخطوة. نحن نبني الأسوار حول ممتلكاتنا الغالية، لكن كم نبني حول قلوبنا؟

التقوى، في أبسط صورها، هي أن تعيش الحياة مع شعور دائم بأن هناك حساباً دقيقاً يتم تجميعه. هذا الشعور ليس عبئاً. بل هو ما يعطي القرارات وزنها. بدون هذا الوزن، تصبح الحياة مجرد سلسلة من الأحداث العشوائية التي لا تثمر شيئاً حقيقياً.

اليوم الذي تتفكك فيه الروابط (المسؤولية الفردية)

ثم ينتقل النداء إلى صورة تقشعر لها الأبدان: "وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًۭا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا".

نتخيل العلاقات البشرية كشبكات دعم متينة. الوالد يحمي، والابن يسند. هذا هو القانون الذي نعرفه منذ بدء الخليقة. لكن الآية تخبرنا عن يوم يُلغى فيه هذا القانون. يوم الحشر، حيث يشتد الهول، وتصبح القربات الأعز مجرد ذكرى بعيدة.

تخيل نفسك واقفاً. لا يملك الأب الذي أفنى عمره في تربيتك أن يقدم لك حتى كلمة طيبة لتخفيف الحساب. ولا يملك الابن البار، مهما كانت مكانته، أن يعطي والده شيئاً. لا "شيئاً"، كما نصت الآية. ولا حتى ذرّة توازن في الميزان. هذه الصورة ليست لتهديدنا، بل لتذكيرنا بأن رصيدنا الحقيقي هو ما عملناه نحن، وحدنا. هي تجربة فريدة وشخصية جداً (أجل، فريدة حقاً).

في تلك اللحظة، تختفي كل المسميات والصفات التي نعتز بها هنا: رئيس، غني، سيد عائلة. يبقى الإنسان كذات منفردة، مُحاسَبة بعيداً عن ظل أي أحد آخر.

اليقين الذي لا يتغير: وعد الله حق

"إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ". هذه جملة قصيرة، لكنها تحمل ثقلاً لا يقدر. إنها إعلان ثابت لا يتأثر بتقلبات الزمن ولا بأهواء البشر. وعندما يقول الحق سبحانه إن وعده حق، فهذا يعني أن الأمر واقع لا محالة.

بعض الناس يعيشون وكأن يوم الحساب فكرة فلسفية لطيفة، وليست حقيقة قادمة مثل شروق الشمس. لكن الحقيقة هي أنها قادمة. (وهذا ما يجعل الحياة اختباراً حقيقياً). متى أدركنا أن هذا الوعد حتمي، يتغير فوراً تعاملنا مع الدقيقة القادمة. كيف نمضي وقتنا؟ أين نضع أموالنا؟ لمن نمنح ولاءنا؟ كل سؤال له إجابة مختلفة عندما يكون اليقين حاضراً.

فخاخ الدنيا الزائلة: الغرور الأول

بعد التأكيد على اليقين، يأتي التحذير المباشر من المضللات: "فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا".

ما الذي تفعله الدنيا بنا؟ إنها لا تعرض علينا الشر صراحة، بل تعرض علينا الوهم على شكل سلعة براقة. تَعِدُنا بالراحة النهائية، بينما هي لا تقدم إلا تعباً مؤجلاً. نحن نلاحق السراب. نبذل جهوداً هائلة لنحصل على شيء، وبمجرد امتلاكه، يبرد الشغف سريعاً ونبحث عن شيء آخر. (هذا هو دورة الإلهاء).

والغرور هنا ليس في أن نأكل ونشرب ونعمل؛ هذا طبيعي ومطلوب. الغرور يكمن في الاعتقاد بأن هذه الوسائل هي الغاية. أن نضع قلوبنا في صناديق الأموال، أو في بيوت فاخرة، ونتناسى أن المفتاح الذي سيفتح تلك الصناديق يضيع بسرعة مدهشة. إنها خفة مؤقتة، تشبه نفخة بالون سرعان ما يفرغ هواءه. هذه هي الحقيقة عن متاع الدنيا.

الغرور الثاني: الشيطان واستغفال الأمان

والتحذير الأخير يركز على المصدر الخفي للغفلة: "وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ". الغَرُور (بفتح الغين) هو الشيطان، وهو المضلل الأكبر.

ماذا يعني أن يغرّنا الشيطان بالله؟ لا يعني أنه يجعلنا نكره الإله، بل يجعلنا نعتمد على صفات الرحمة والمغفرة بطريقة خاطئة. (وهذه نقطة دقيقة جداً). يقول لنا: "الله غفور رحيم، لا تقلق على تقصيرك الآن. هناك وقت للتوبة لاحقاً." أو يهمس: "عملك الصالح يكفي، لا تحتاج إلى المزيد."

هذا هو الاستغفال الأخطر. إنه بيع للأمان الزائف. يعلمنا القرآن أن نتقي الله، أي أن نجمع بين الرجاء والخوف. الشيطان، من جانبه، يحاول أن يلغي الخوف تماماً، ويترك العبد يسبح في بحر من الرجاء غير المبرر، مما يؤدي إلى التسويف والتقاعس.

التقوى تحمينا من أن نقع فريسة لهذا الغرور. تذكرنا التقوى بأن رحمة الله واسعة، لكن وعده باليوم الآخر حق لا شك فيه، ويجب الاستعداد له بجدية.

خلاصة الأمر والعمل

هذه الآية الكريمة، باختصار، تضع كل شيء في نصابه الصحيح. هي تدعونا إلى إعادة ترتيب الأولويات. (وهذا يحتاج منا جرأة). أن ننظر إلى حياتنا ليس بمنظار اليوم فقط، بل بمنظار اليوم الذي لن يحاسب فيه أحد عن أحد.

فلننظر بصدق إلى ما نمتلكه اليوم: هل هو حقيقة ستصمد معنا؟ أم أنه قشرة سريعة الزوال؟ "يَا أَيُّهَا النَّاسُ"، النداء موجه لنا جميعاً، بلا استثناء. العمل لنا، والمسؤولية فردية، والوعد قادم. ولعل أفضل استثمار هو أن تبدأ اليوم في بناء ذلك الحاجز المنيع من التقوى، قبل أن يأتي اليوم الذي لا يغني فيه الأحباء عن بعضهم البعض شيئاً.