بدأت القصة بكلمة حادة، كأنها صرخة مفاجئة في أذن غافل لا يسمع سوى ضجيج السوق. «أَلْهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ». ليست مجرد آية نقرأها في الصلاة، بل هي سؤال قاسٍ جداً يرمي بثقله مباشرة على مركز حياتك: ما الذي شغل وقتك الثمين حتى نسيت النهاية؟ وماذا حصل لهذا العقل الذي يفكر في المجموع والزيادة بدل التفكير في الغاية والبركة؟
هذه السورة القصيرة، سورة التكاثر، تحمل مفاتيح فهم الهوس الإنساني الأزلي بالكمية على حساب الكيفية. إنها تشخيص دقيق لمرض (الكثرة) الذي لم يختفِ أبداً، بل غير أشكاله فقط.
فهم معنى (التكاثر): ليس مجرد مال
ما معنى التكاثر هنا؟ كثيرون يظنون أنه يعني فقط جمع المال. لا، الأمر أوسع بكثير. علماء اللغة والتفسير يشيرون إلى أن التكاثر هو (المباهاة بالكثرة)، و(التنافس في جمع الشيء). الناس يتسابقون، ويدفع بعضهم بعضاً إلى نقطة لا عودة. التكاثر هو حالة مقارنة دائمة، أن تنظر إلى ما عند جارك ثم تعمل جاهداً لتتخطاه. إنه صوت الأرقام التي لا تهدأ، والرغبة العنيفة في أن تكون أعلى من المنافس، ولو بخطوة بسيطة.
في زمن السلف، كان التكاثر يعني التباهي بعدد الأولاد أو العشيرة أو حتى المقبرة (حيث كانوا يعدون موتاهم ليظهروا كثرة نسلهم!). أما اليوم، فقد تبدلت أشكال المنافسة. صار التكاثر هو كمية الصور المنشورة، عدد الإعجابات التي تصلك في منتصف الليل، مساحة المنزل المبالغ فيها، أو قائمة المشتريات التي لا تنتهي أبداً. (يا له من سباق ممل ومرهق!) والتنافس هذا يستهلك الطاقة والوقت؛ الطاقة التي كان من المفترض أن تصرف في بناء شيء حقيقي ومفيد.
لعبة الأرقام التي تبتلع الوعي
الناس مشغولون بجمع الأشياء التي لا يحتاجونها، فقط لأنهم يستطيعون ذلك، أو لأن الآخرين يفعلون ذلك. وهذا التكاثر أعمى عيونهم عن رؤية الـ «كافي». متى تقول لنفسك: كفى؟ ومتى تضغط زر التوقف؟
المشكلة ليست في امتلاك الثروة أو الحصول على المرتبة العليا، بل في أن تملكك هذه الأشياء. أن تمتلكك فكرة (المزيد دائماً). وهذا الإلهاء لا يمنح وقتاً للتأمل. أنت تركض طوال الوقت، لكنك لا تعرف وجهتك الحقيقية. ويظل عقلك معلقاً بأفق الغد البعيد، بينما تفقد متعة اليوم الحاضر.
كان الإمام الشاطبي يقول إن النفوس إذا تعلقت بالدنيا (بشكل مغالٍ فيه) انشغلت عن إدراك الحقائق التي وراء الستار. إنها مثل شخص يحاول بناء برج شاهق في منطقة نعلم جميعاً أنها ستغرق قريباً. لكنه مشغول جداً بتركيب الطابق الجديد لدرجة أنه لا يلاحظ ارتفاع منسوب الماء حول أساساته.
حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ: الوقفة الصارمة
ثم يأتي الجزء الذي يقطع النقاش كله ويضع حداً فاصلاً للعبة التنافس هذه: «حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ». زيارة المقبرة هنا ليست رحلة سياحية، بل هي المحطة النهائية واللاعودة. هذا التعبير يحمل وضوحاً قاسياً؛ كل ما جمعته، كل الأرقام التي تفاخرت بها، تتوقف فجأة عند تلك الحفرة الصغيرة. هناك يتوقف العداد الرقمي.
عندما يُغلق القفل، لا يوجد مفتاح ثانٍ. وكم من مشاريع وأحلام وطموحات دفنت مع أصحابها، وصار القبر هو المخزن الوحيد لها. هل ينفع التباهي بكثرة ما جمعت هناك؟ لا. هذا الوضوح مرعب، ولكنه ضروري كي نستيقظ من سبات المقارنة واللهاث المستمر.
ومن هنا تنتقل السورة إلى المرحلة التالية: «كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ». هذا التكرار ليس مصادفة، بل هو تأكيد، كأنها صفعة تلو الأخرى. إنه تهديد بالمعرفة المؤكدة القادمة. ستعرفون الحقيقة، وستعرفونها مجدداً، ولكن بعد فوات الأوان. (الأمر فعلاً محزن حين تفكر فيه بهذه الطريقة).
ثم تأتي مرحلة «لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ» و«ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ». هناك فرق بين معرفة شيء (علم اليقين)، ورؤيته بالعين المجردة (عين اليقين). السورة تخبرنا أن الأمر ليس مجرد توقع، بل حقيقة مشاهدة. وهذا المشهد يجعلك تتساءل: هل كانت ساعة إضافية من العمل على مشروع لا أحبه تستحق كل هذا الجهد؟
كيف نتحرر من إلهاء الكثرة؟
يجب أن نغير طريقة رؤيتنا للقيمة. القيمة ليست في الكمية. القيمة الحقيقية تكمن في البركة، في التأثير الإيجابي، في الوقت الذي تقضيه مع من تحبهم، وفي اللحظات الهادئة التي لم تشتتها ضوضاء السعي الزائد.
إن التحرر يبدأ بسؤال بسيط: ما هو الحد الكافي؟ يجب أن نعود إلى صوت الضمير الهادئ الذي يكاد يُغرق تحت أصوات الإعلانات وضغط المجتمع. فكر قليلاً: ما هي الأشياء التي ستندم على عدم فعلها عندما تزور تلك المقابر؟ ليس عدد السيارات، بل الكلمات الطيبة التي لم تقل، والفرص التي لم تستغل في العمل الصالح، والعلم الذي لم ينشر.
والآية الأخيرة هي الميزان: «ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ». كل ما منحك إياه الله – الصحة، الوقت، المال، العائلة، وحتى كوب الماء البارد – سيُسأل عنه. هذا النعيم ليس حقاً مطلقاً لك، بل هو أمانة. وهذا السؤال هو ما يضع كل الأشياء في نصابها الصحيح. لذا، قلل من الأشياء التي تلهيك، وزد من الأشياء التي تسألك عن نفسك. هذا هو المفتاح الوحيد.
أوقف العداد، وانظر إلى السماء. الكثرة تلهي، لكن القناعة تنجي. ابدأ الآن، فلا أحد يعرف متى ستكون الزيارة الأخيرة للمقابر.
