القرآن الكريم، كتاب الحقيقة، يضع أمامنا مشاهد قوية ومرعبة من لحظات الحساب الأخيرة. ومن بين هذه المشاهد، يظهر قول عظيم يحمل في طياته مرارة الندم وذروة الصدمة. وهو قول أهل النار حين يسألون بذهول: "وَقَالُوا۟ مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالًۭا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ ٱلْأَشْرَارِ" (سورة ص، الآية 62).
السؤال الذي يمزق السكون
هذه الآية ليست مجرد سؤال؛ إنها اعتراف بالخسارة، ولحظة إدراك متأخرة جدًا. السؤال يصدر من مجموعة محددة: قادة الضلال، المتغطرسون، وأولئك الذين عاشوا حياتهم يحتقرون المؤمنين الضعفاء. هم الآن في العذاب، ينظرون حولهم في فزع، ولا يجدون تلك الوجوه التي اعتادوا الاستخفاف بها في دنياهم الفانية.
لكن، ما معنى أن يعدّوهم "من الأشرار"؟
مفهوم "الأشرار" في عين الكبرياء
عندما نتأمل تفسيرات كبار العلماء لهذه الآية (منهم الطبري وابن كثير، رحمهم الله)، يتضح أن لفظ "الأشرار" هنا لم يكن وصفًا دينيًا بالضرورة، بل كان تقييمًا اجتماعيًا واقتصاديًا بحتًا. في مكة، كان الأثرياء والقادة ينظرون إلى المؤمنين الأوائل – مثل بلال وصهيب وعمار – نظرة احتقار. كانوا يرونهم فقراء، ضعفاء، لا قيمة لهم اجتماعيًا، ولذلك عدّوهم "أشرارًا" أو على الأقل، أدنى منهم منزلة.
هؤلاء المتكبرون، الذين كانوا يرون الدنيا معيارًا مطلقًا للحقيقة، كانوا يتوقعون أن يجدوا رفقاءهم من هؤلاء "الأشرار" في نفس المكان (أي النار). كانوا يقولون في أنفسهم: إن كنا نحن، أهل المال والسلطان، ندخل النار، فمن المؤكد أن هؤلاء المساكين أشد ضلالًا ومصيرهم أسوأ. (وهذا تفكير مغلوط تمامًا، بالطبع).
الأمر كله يتعلق بسوء التقدير، ذلك الحكم البشري المحدود الذي يرى القيمة في الرصيد البنكي أو في عدد الأتباع، ويغفل تمامًا عن قيمة القلب والعمل الصالح.
مفاجأة الغياب والعدالة المنقلبة
الآن، يكتمل المشهد. أهل النار يتساءلون: أين هؤلاء الذين كنا نظنهم منبوذين؟ أين الضعفاء؟
الإجابة الصارخة تكمن في صمت الغياب. إنهم ليسوا معهم في الجحيم لأنهم في الجنة. أولئك الذين استخف بهم أهل الجاه والسلطة هم الآن في نعيم مقيم.
وهنا تظهر القوة الفائقة للآية، فهي تحمل ثلاث حقائق مؤلمة لأهل النار:
1. خطأ الرؤية الدنيوية
أدركوا في تلك اللحظة الحاسمة أن كل ما بنوا عليه حياتهم من معايير كان وهمًا. لا المال، ولا النسب، ولا القوة كانت لها قيمة. لقد أخطأوا في تصنيف الناس تمامًا. إنها لحظة انهيار لجميع النظريات الاجتماعية التي حكموا بها على الآخرين. (وهذا اعتراف يكسر الروح).
2. الحرمان من الشفاعة (أو العزاء)
في بعض التفاسير، يذكر العلماء أن أهل النار كانوا يبحثون عنهم لسبب آخر: إما للتأكد من أنهم لم يدخلوا النار (حتى لا ينفرد أهل النار بالعذاب) أو لإظهار الندم. لكنهم لا يجدونهم، وهذا يزيد من حسرتهم. فالمرء عادة يجد بعض العزاء في مشاركة العذاب مع من احتقرهم، لكن حتى هذا العزاء البائس يُحرمون منه.
3. الحسرة والتحسر
كان من الممكن أن يكونوا معهم في الجنة، لو فقط كفوا عن الاستهزاء واتبعوهم. إن الندم هنا مزدوج: ندم على المصير، وندم على سوء معاملة الصالحين. هذا الغياب يعني أنهم خسروا الدنيا وخسروا الآخرة، بسبب نظرة مغرورة للآخرين.
الدرس الذي يجب أن يبقى
هذه الآية ليست قصة تاريخية فحسب؛ إنها قاعدة إلهية دائمة. تعلمنا الآية أن الموازين الإلهية مختلفة تمامًا عن موازين البشر.
في الحياة، غالبًا ما نجد من يُحكم عليهم بأنهم "قليلو الشأن"، أو غير مؤثرين. قد يكونون هادئين، متواضعين، أو لا يملكون ثروة كبيرة. ولكن قيمة الإنسان الحقيقية لا تقاس إلا بما يحمله في قلبه من إيمان صادق وما ينجزه من عمل خالص. الأهم دائمًا هو الميزان الذي يضعه الخالق، وليس الميزان الذي تضعه الأسواق أو الألقاب الاجتماعية.
علينا أن نكون حذرين جداً من نظرة الاستعلاء. فرب شخص تراه اليوم ضعيفًا أو منبوذًا، هو عند الله تعالى في أعلى الدرجات. والآية تحذير لنا جميعًا: لا تدع مقاييس الدنيا الزائلة تخدعك عن رؤية حقيقة الآخرين. قد تكون النجاة في رفقة من عده الناس شريرًا، ولكن الله عدّه صديقًا ووليًا.
يوم القيامة يكشف الغطاء. وتلك اللحظة، التي يسأل فيها أهل النار عن الذين حسبوهم أشرارًا، هي اللحظة التي ينهار فيها كل غطرسة، ويسقط فيها كل زيف. (وهذا ما يجعل الآية مرجعاً لكل من يبحث عن العدل الإلهي في أبسط صوره وأعمقها).
