المقدمة: همسة في الأذن وقلبٌ يرتجف
تخيل معي للحظة مشهداً قديماً، صوتاً يأتي يحمل خبراً غير مألوف. خبرٌ يهز الكيان، يقلب كل ما نعرفه عن قوانين الدنيا. هذا تماماً ما حدث للسيدة مريم العذراء. كانت وحيدة، منقطعة للعبادة، فجاءها الأمر العظيم. أمرٌ سيغير مجرى التاريخ، أمرٌ يمثل تحدياً لكل منطق بشري. وأمام دهشتها العميقة، وقلقها الذي لا يخفى، جاءها الرد الحاسم، الكلمات التي حملت معها كل السكينة واليقين: "قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌۭ".
هذه الآية الكريمة، من سورة مريم، تحمل في طياتها أكثر من مجرد إخبار بقصة. إنها مفتاح لفهم جزء مهم من تصورنا لقدرة الخالق، سبحانه وتعالى. ليست مجرد إجابة لمريم، بل هي رسالة لكل من يشك أو يتعجب من أمر الله.
حكاية مريم: الدهشة وكلمة الفصل
مريم عليها السلام، كانت فتاة نقية، طاهرة، وهبتها أمها لخدمة بيت المقدس. كبرت في طاعة الله، تحت رعاية نبي الله زكريا. لم تمسسها يد رجل قط. وفجأة، بينما كانت في خلوتها، يتمثل لها ملكٌ في صورة بشر سويّ. (أكان هذا المشهد غريباً حقاً!). ظنته بشراً يريد بها سوءاً، فاستعاذت بالله.
لكن الملك، جبريل عليه السلام، جاء بأمر غير متوقع. قال لها: "إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا" (سورة مريم: 19). فما كان منها إلا أن ردت، وبحيرة شديدة: "أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا". كيف يحدث هذا؟ هي لم تتزوج، ولم تفعل فاحشة. منطق الحياة يقول إن الإنجاب يتطلب سبباً معلوماً.
وهنا، جاء الرد الذي يجب أن نقف عنده ملياً، الرد الذي يحمل كل المعاني والدروس: "قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌۭ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا" (سورة مريم: 21). هذه الكلمات ليست مجرد تطمين، إنها إعلان مبدأ إلهي.
"هو عليّ هيّن": معنى يتجاوز الإدراك
كلمة "هيّن" تعني السهل، اليسير، الذي لا يكلف أدنى جهد. حين يقول الله تعالى عن أمر خلق عيسى بلا أب إنه "هيّنٌ" عليه، فهذا ليس مجرد وصف، بل هو كشف عن طبيعة القدرة الإلهية. بالنسبة لنا البشر، نحن نرى الأشياء صعبة أو مستحيلة بناءً على خبرتنا، وعلى القوانين التي وضعها الله لهذا الكون. خلق طفل بلا أب، أو إعادة الميت للحياة، أو شق البحر، كلها أمور تتجاوز قدرتنا وتفكيرنا.
لكن عند الله، كل شيء هيّن. لا يوجد "صعب" في قاموس قدرته. (فسبحانه، هل يعجزه شيء؟). ليس الأمر أنه "يجد طريقة" لفعل المستحيل، بل إن مفهوم المستحيل نفسه لا ينطبق عليه. قدرته لا تخضع لقوانين السبب والنتيجة التي نعرفها. هو خالق الأسباب والمسببات. هو من أوجد القوانين، وهو من يوقفها أو يلغيها بإذنه.
قوة الكلمة الإلهية
يكفي أن يقول الله لشيء "كن" فيكون. هذا هو جوهر الأمر. فالكلمة الإلهية وحدها كافية لإحداث أي تغيير، أي خلق. قصة مريم وعيسى عليه السلام هي خير مثال على هذا المبدأ. إنها تذكير بأن الله ليس محدوداً بحدودنا، ولا بظروفنا، ولا بمنطقنا. هو فوق كل ذلك، بقدرته التي لا يعلوها شيء.
من السهل إلى المطلق: قدرة لا حدود لها
هذا المبدأ، أن كل شيء على الله هيّن، لا يقتصر فقط على قصة ميلاد عيسى. بل يمتد ليشمل كل جانب من جوانب الوجود. خلق السماوات والأرض وما بينهما، بهذا الاتساع، بهذه الدقة، بكل هذه المخلوقات، هل كان هذا صعباً على الخالق؟ أبداً. هو هيّن عليه.
خلق الإنسان من تراب، ثم تسويته ونفخ الروح فيه، أمرٌ هيّن. إحياء الأرض بعد موتها بنزول المطر، أمرٌ هيّن. حساب الخلائق جميعاً يوم القيامة، ثم إثابة المحسن ومعاقبة المسيء، هذا كله هيّن على الله. (إننا أحياناً ننسى هذا). العقل البشري، بحدوده، يحاول أن يقيس قدرة الخالق بقدرات المخلوق. وهذا خطأ فادح. فالفارق بين الخالق والمخلوق ليس كمياً، بل نوعي، لا يقاس ولا يقارن.
ما وراء الحواس والمألوف
فكر في النجوم والمجرات، في أسرار الكون التي لا ندرك منها إلا القليل. فكر في تعقيد الخلية الواحدة في جسمك، في دقة نظامها. كل هذا يخبرنا بوضوح أن من أوجد هذا، فإن كل شيء عليه يسير. كلمة "هيّن" ليست تصغيراً للأمر، بل هي تعظيم لقدرة الفاعل. إنها لتبين لنا أن لا شيء يعجزه، مهما بدا لنا نحن مستحيلاً أو معقداً.
دروس لقلب كل إنسان: حين يصبح المستحيل ممكناً
هذه الآية لا تروي قصة فحسب، بل هي مصدر عظيم للأمل واليقين لكل مؤمن. عندما نجد أنفسنا أمام تحديات تبدو مستحيلة، أو عقبات لا نرى لها حلاً، يجب أن نتذكر هذه الكلمات. عندما تيأس الروح وتضيق السبل، ونظن أن الأمر قد انتهى، فإن كلمة "هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌۭ" تأتي لتوقظ فينا الإيمان.
- زرع الأمل: هي تزرع الأمل في قلب المكروب، والمريض، ومن ضاقت عليه الحياة. فإذا كان خلق عيسى بلا أب هيّناً على الله، فهل يعجزه أن يرفع عنك بلاءك؟ هل يعجزه أن يشفي سقمك؟ لا، والله لا يعجزه شيء.
- التوكل المطلق: تدعونا إلى التوكل الصادق على الله. لا نتوكل على الأسباب وحدها، بل نثق بمن خلق الأسباب. نعمل بما في أيدينا، نأخذ بالأسباب المتاحة، ثم نترك الأمر كله لمن كل شيء عليه هيّن.
- كسر قيود المنطق البشري: تعلمنا أن نوسع نظرتنا. ألا نجعل عقولنا هي الحَكَم الوحيد. فالله لا يتقيد بقوانين الكون التي أوجدها لنا. هو الخالق، وهو المتحكم، وهو الفعال لما يريد. (كم من مرة حكمنا على شيء بأنه مستحيل، ثم رأيناه يتحقق؟).
- طمأنينة القلب: عندما نعلم أن خالقنا، المدبر لأمرنا، بهذه القدرة المطلقة، فإن قلوبنا تسكن وتطمئن. لا خوف من المستقبل، ولا حزن على ما فات، إذا ما سلمنا أمرنا إليه بيقين.
خاتمة: دعاء الأمل وعهد اليقين
إن قصة مريم وكلمة "هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌۭ" هي دعوة دائمة لنا. دعوة لنتذكر أن وراء كل ظاهرة، وراء كل حدث، قوة عظمى لا تضاهيها قوة. قوة لا حدود لها، لا يمسها العجز أو الصعوبة. هذه القدرة الإلهية هي أساس إيماننا، وركن يقيننا. إنها تبعث في النفس روح الطمأنينة والثقة، حتى في أشد الظروف وأعظم المحن.
فلتكن هذه الآية نوراً يضيء دروبنا، وتذكرة بأن مهما بدت أمور الحياة معقدة أو مستحيلة، فإنها عند الله ليست كذلك. هو هيّن عليه كل شيء. وهذا وحده يكفي ليملأ قلوبنا أملاً، ويزيدها إيماناً، ويدفعنا للعيش بتسليم ويقين بقدرة من بيده كل شيء.
