يُعلّمنا القرآن درسًا. (وهو درس نحتاجه اليوم، أكثر من أي وقت مضى). في سورة الرعد، آية سبعة عشر، تضيء كلمات الله طريقًا: "فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءًۭ ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى ٱلْأَرْضِ". هذه الآية ليست مجرد نص يُتلى. إنها قانون. قانون يحكم الكون كله. هي تصف كيف تتصرف الأشياء من حولنا. وأيضًا، كيف يجب أن نتصرف نحن في هذه الحياة. إنها دعوة للتفكير في الثابت والمتغير، في الصدق والزيف.
الزبد: الرغوة التي لا تدوم
ما هو الزبد؟ هو تلك الرغوة التي تطفو على سطح الماء، أو التي تظهر عند غليان المعادن. يظهر لحظة. يختفي لحظة. ليس له أساس. لا يحمل أي وزن حقيقي. هو مجرد منظر. وبسرعة، يتبدد، يذهب جفاءً. لا يترك أثرًا مفيدًا. بل قد يكون حاجبًا للرؤية. قد يخفي ما هو أصيل تحته. وهذه هي طبيعة كثير من الأمور في حياتنا.
تخيل معي (أنت ترى هذا كل يوم): الإشاعات التي تنتشر بسرعة البرق عبر وسائل التواصل الاجتماعي. تظهر، تضج الدنيا، ثم تختفي وكأنها لم تكن. لا يبقى منها سوى الفوضى التي خلفتها. هذا زبد. أو تلك الوعود البراقة، الكلمات المنمقة التي تُلقى بلا حسبان. تبدو جذابة في البداية، لكنها فارغة من المضمون. لا تلبث أن تتلاشى مع أول اختبار حقيقي. هذا أيضًا زبد.
وهناك أحيانًا الغضب العارم الذي يجتاحنا. يرتفع الصوت، تشتد الكلمات. يخلق ضجة كبيرة في لحظتها. لكنه سرعان ما يهدأ، تاركًا خلفه الندم والخيبة، بلا فائدة تُذكر. هذا الزبد يظهر في السلوكيات، في القرارات المتسرعة، في متابعة كل ما هو جديد فقط لأنه جديد، دون وزن لقيمته الفعلية. الزبد قد يكون مجرد شكل لا روح فيه، قشور بلا لب. هو كل ما هو سطحي، عابر، لا يحمل قيمة حقيقية أو منفعة دائمة.
ما ينفع الناس: الأساس الذي يبقى
لكن ماذا يبقى؟ ما ينفع الناس. هذا هو الشيء الثابت. الشيء الذي يخدم. مثل الماء النقي الذي يروي الأرض ويعطيها الحياة، بعد أن تذهب رغوة السيل. أو كالمعدن الصافي الذي يبقى بعد إزالة الشوائب بالنار وتذويبها. إنه الأساس. هو الذي يُحدث فرقًا. وهو الذي نصنعه بأنفسنا (إن أردنا بصدق).
الفكرة الجيدة التي تغير حياة شخص للأفضل. الكلمة الطيبة التي تبقى في الذاكرة، تدفع صاحبها للمضي قدمًا. العمل الصالح الذي يبني مجتمعًا، يرفع من شأن الناس. المعرفة التي تضيء دروب الأجيال، فتنتقل من جيل لآخر، تُعلِّم وتُفيد. هذه كلها أمور تبقى. هي ليست مجرد شكل، بل جوهر. تحمل في طياتها قيمة حقيقية، أثرًا لا يمحوه الزمن. هي التي تبني البيوت، وتؤسس الحضارات، وتجلب السلام.
فكر في العلم الذي يُكتشف. يبقى. في العدل الذي يُقام. يبقى. في الإحسان الذي يُقدم للفقير أو المحتاج. أثره يبقى. حتى وإن غاب صاحب العمل، فإن صنيعه الطيب يظل يُذكر ويُستفاد منه. هذه هي الحقيقة الراسخة. هي ليست مجرد لحظة، بل امتداد. هي ليست صخبًا، بل هدوء يُبنى عليه الكثير.
دروس من الطبيعة: شاهد على الحقيقة
الطبيعة نفسها تشهد على هذه الحقيقة. ترى السيل القوي يجري، يحمل معه الأتربة والأشجار. تراه يغلي بالرغوة على السطح. لكن تلك الرغوة (الزبد) تذهب سريعًا. ويبقى الماء الصافي الذي يروي الزرع، يسقي الأرض، ويملأ الآبار. هذا الماء هو ما ينفع الناس. هو ما يبقى. وبالمثل، عند صهر الذهب أو الفضة (لا يهم أي معدن)، تظهر الشوائب على السطح. إنها تزول. لكن المعدن النقي هو الذي يبقى، يمكن تشكيله، يمكن استخدامه. قيمته لا تتبدد.
هذا يعني أن الحياة تقدم لنا اختبارات مستمرة. ألا ننجرف وراء المظاهر. ألا ننخدع بالضجيج. بل أن ننظر بعمق. نبحث عن الجوهر. نبحث عن ما هو ثابت، ما هو نافع. حتى لو كان هذا الجوهر يتطلب جهدًا أكبر لاكتشافه، أو صبرًا أطول للحفاظ عليه.
كيف نعيش هذه الحكمة في حياتنا؟
تطبيق هذه الآية في حياتنا اليومية مهم. نحن مطالبون بفرز الزبد عن الجوهر. كيف؟
التمييز بين القشور واللب
انظر إلى علاقاتك. هل هي مبنية على مصالح عابرة، على مجاملات لا تسمن ولا تغني؟ هذه قشور. أم هي مبنية على الصدق، على الدعم الحقيقي، على المودة الخالصة؟ هذا هو اللب. هو الذي يدوم، هو الذي يعطي قيمة لحياتنا. والأمر نفسه ينطبق على كل اختياراتنا. في العمل، في الدراسة، في اهتماماتنا الشخصية. هل أركز على ما يمنحني فائدة سريعة ثم يزول؟ أم أستثمر وقتي وجهدي في ما يحمل قيمة دائمة، حتى لو كان حصادها ليس فوريًا؟ (وهذا غالبًا ما يكون الخيار الأصعب).
بناء ما يبقى
علينا أن نسعى لبناء ما ينفع الناس. هذا يعني أن نكون أشخاصًا يُعتمد عليهم. أن نكون صادقين في أقوالنا. أن نكون مخلصين في أعمالنا. أن نزرع الخير أينما ذهبنا. فكلمة صادقة نقولها قد تحدث فرقًا كبيرًا في حياة شخص يائس. عمل صغير نتقنه قد يخدم مجتمعًا بأكمله. علم نعلّمه قد يضيء عقول أجيال قادمة. كل هذا يبقى. يظل أثره. يثمر خيرًا.
المجتمعات التي تبنى على قيم العدل، على طلب العلم، على التكافل، هي مجتمعات قوية. هي التي تصمد أمام التحديات. لكن المجتمعات التي تنجرف وراء الأهواء، وراء المصالح الضيقة، وراء الضجيج الإعلامي الفارغ، هذه مجتمعات واهية. قد تبدو قوية للحظة، لكنها كزبد السيل، تتبدد مع أول اختبار حقيقي. (هذا نراه حولنا كثيرًا).
الخلاصة: اختر ما يدوم
تلك الآية، رغم قصرها، تحمل في طياتها حقيقة كونية لا تتغير. إنها تضع معيارًا لنا لنعيش به. تدعونا لنركز على ما هو جوهري، على ما هو نافع، على ما هو باقٍ. أن نترك الزبد يذهب جفاءً، وأن نمسك بما ينفع الناس بقوة، نزرعه، نغذيه، ونبني عليه. هذا هو السبيل لحياة أكثر معنًى، وأكثر فائدة، وأكثر ديمومة. هذا ما يبقى، حقًا.
فلنكن من الذين يختارون دائمًا الأساس الصلب، لا الرغوة العابرة. اختر دائمًا ما ينفع الناس. هذا هو الطريق. هذا هو الثبات. هذا هو الأثر.
