"وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها": دعوة للتأمل الصادق
تلك الكلمات، قوية ومُدوّية، تستقر في القلب والعقل. "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها" (النحل: 18). ليست مجرد آية، بل هي مِرآةٌ نرى فيها عجزنا البشري، ونفهم حجم كرمٍ لا ينتهي. فكر معي لبرهة؛ هل حاول أحدنا يومًا عدّ النعم؟ محاولةٌ، بحد ذاتها، تكشف الكثير.
إننا نتحرك في عالمٍ مليءٍ بالعطايا. الهواء الذي يملأ صدورنا، الضوء الذي يُرينا دروبنا. هذه أمورٌ نعتبرها حقًا طبيعيًا، لا نتوقف عندها إلا حين تُفقد. لكنها، حقيقةً، اللبنات الأساسية لكل وجود.
النعم الظاهرة: ما نراه ونلمسه كل يوم
هناك النعم التي تقع تحت حواسنا مباشرةً. الشمس، مثلاً، تشرق كل صباح، ترسل دفئها ونورها دون مقابل. تزرع الحياة في الأرض. ثم الماء، ذلك السائل الشفاف، يروي العطش، يغسل الأجساد، وينعش الزرع. هل فكرنا في الرحلة التي يقطعها الماء ليصل إلينا نقيًا باردًا؟ إنها عملية معقدة، لكنها تحدث ببساطة مدهشة.
والأجساد التي نحملها، أليست آية بحد ذاتها؟ العين ترى الألوان، الأذن تسمع الأصوات. خلايا الجسم، تلك الوحدات الصغيرة جدًا، تعمل بتناغم مذهل. القلب يضخ، الرئة تتنفس، الجهاز الهضمي يحلل الطعام ليمنحنا الطاقة. كل هذا يحدث ونحن نائمون أو يقظون، دون أن نتحكم فيه واعيًا. إنها ميكانيكية دقيقة، لا يمكن لعقل بشري أن يبتكرها بهذا الكمال.
نحن نمشي، نركض، نلمس، نضحك. وكل حركة، كل إحساس، يمثل نعمة. (فكر فيمن فقد القدرة على إحداها، وكيف يُقدرها بعد ذلك). هذه كلها هدايا، تُقدم لنا على طبقٍ من ذهب، يومًا بعد يوم.
النعم الخفية: ما يتجاوز الإدراك المباشر
لكن النعم لا تتوقف عند حدود ما نراه ونلمسه. هناك نعم أعمق، لا يشعر بها إلا من تأمل بعمق. نعمة العقل، مثلاً، القدرة على التفكير، التدبر، التعلم. بهذه النعمة، نبني الحضارات، نكتشف أسرار الكون، نفهم بعضنا البعض. إنها أداة فريدة، ترفع الإنسان عن باقي المخلوقات.
وكذلك نعمة المشاعر. الحب الذي نكنه لعائلاتنا وأصدقائنا. السلام الداخلي الذي نشعر به أحيانًا بعد يوم طويل. القدرة على الأمل، على الصبر في الشدائد. هذه كلها قوى خفية، تُعطي للحياة معنى ولونًا. هي لا تُوزن بالذهب، ولا تُشترى بالمال، لكن قيمتها تفوق كل ثمن.
حتى الألم، أحيانًا، يكون نعمة. فهو ينبهنا للخطر، يدفعنا للتغيير، يعلمنا الصبر. وكم من محنة تحولت إلى منحة بعد حين؟ (هكذا يقولون، والحياة تُثبت ذلك غالبًا). هذا التحول بحد ذاته نعمة، نعمة في الإدراك.
لماذا لا نستطيع أن نحصي النعم؟
الآية لا تقول "لا تعدوا" بل "لا تحصوها". الفارق كبير. نحن قد نعدّ بعض النعم، نذكرها، نشكر عليها. لكن الإحصاء، يعني الإحاطة بها كلها، معرفة تفاصيلها، كميتها، نوعها. وهذا مستحيل، لأسباب عدة:
- الكثرة المطلقة: النعم ليست مجرد عشرة أو مائة؛ إنها آلاف وآلاف، بل ملايين. كل نفس نتنفسه نعمة. كل نبضة قلب نعمة. كل خلية في جسدنا تعمل بتناغم، نعمة.
- التداخل والترابط: النعم ليست منعزلة. نعمة الماء ترتبط بنعمة الأرض، التي ترتبط بنعمة الشمس، وكلها ترتبط بنعمة الحياة. فكيف تحصي شيئًا يتداخل مع غيره بهذا الشكل؟
- الاستمرارية والتجدد: النعم ليست ثابتة. هي تتجدد باستمرار. الهواء لا ينفد، الشمس لا تتوقف، والجسم يُصلح نفسه باستمرار. كل لحظة تحمل معها عطايا جديدة.
- العمق والجودة: ليست المسألة في العدد فقط، بل في عمق النعمة. كيف تقيس قيمة "الأمن"؟ أو "راحة البال"؟ إنها نعم غير مادية، تتجاوز أي مقياس كمّي.
العرفان: استجابة القلب للنعم
إذا كانت النعم لا تُحصى، فما هو المطلوب منا؟ العرفان، الشكر الحقيقي. وهو ليس مجرد كلمة تُقال باللسان. إنه سلوك، وطريقة حياة. أن ترى الجمال في التفاصيل الصغيرة، أن تُقدر ما لديك، أن تستخدم هذه النعم فيما يرضي مُعطيها.
عندما نشرب كوب ماء بارد بعد عطش، أو نأكل لقمة طعام بعد جوع، أو نرى وجه عزيز بعد غياب؛ تلك اللحظات هي التي تُوقظ فينا الإحساس بالنعمة. هي دعوات صريحة للشكر. والشكر هنا يعني ألا نسرف، ألا نفسد، ألا نكفر. بل نُصون، ونُصلح، ونُعطي للآخرين مما أُعطينا. هذا هو المعنى الحقيقي لإدراك النعمة.
تذكر: كل ما نراه، نسمعه، نشعر به، بل وحتى ما لا ندركه، هو منحة. والمطلوب منا ليس عدّها، بل تقديرها. هذا التقدير يفتح الأبواب للمزيد، ويملأ الحياة بالرضا. إنها حكمة عظيمة، تُعلمنا التواضع، وتُذكّرنا بكرم الخالق الذي لا ينضب.
فلتكن حياتنا كلها عرفانًا، ولتكن كل لحظة فرصةً لنرى البركة، ونعيش الامتنان، فالنعم، والله، لا تحصى.
